علي بن أحمد المهائمي

62

خصوص النعم في شرح فصوص الحكم

( وإن اختلفت الملل والنحل ) ، أي : ملل من أنزلت عليهم من الأنبياء ونحل أممهم ، فإن ذلك لا يخل بأحدية طريقهم في جمعها فوائد سائر الطرق في الإيصال إلى المقصد المذكور ، ولا تكون علومهم من المقام الأقدم ، بل غاية ذلك اختلاف وجوه مشيهم فيه ، وذلك ( لاختلاف ) استعدادات ( الأمم ) ، فالأحكام الفرعية المتعلقة بالجوارح أو القلوب ، وإن اختلفت باختلاف الاستعدادات ؛ فهي نازلة من المقام الأقدم ، معدة في الإيصال إلى المقصد لمن جعلت طريقا لوصوله حين جعلت ، ثم سندت على من بعدهم بعد ما كانت منفتحة لمن تقدمهم ، ولهذا لا يتأتى في الاعتقادات الأصلية أصلا « 1 » . ( وصلى اللّه على ممدّ الهمم ) « 2 » ، لما أوجب تحصيل الحكمة بطريق الكشف والعيان ؛ إذ طريق النظر مخطر ، وذلك بتوجيه القصد والهمة بعد تصفية القلب ، وتزكية النفس ، ولا يتأتى ذلك لغير الكامل بالذات إلا بواسطة الكامل لوجوب المناسبة بين المفيض والمستفيض توسل بالروح الأكمل الذي له إمداد همم المستعدين للكمال بإيصالها إلى أقصى النهايات مصونة عن أغاليط الأوهام والخيالات بأفضل الوسائل التي هي الصلاة المفيدة ، وصلته بربه ليستفيض منه ، فيفيض على من يناسبه ( من خزائن الجود والكرم ) ، الجود : إفادة ما ينبغي ، لا لعوض ولا لغرض ، والكرم : الابتداء بالنعم من غير موجب وخزائنهما الأسماء الإلهية . وفيه إشارة إلى أن إمداد الهمم إنما يتأتى لمن له التصرف في الخزائن الإلهية بالاستفاضة منها للإفاضة على المستعدين ، حتى يتم به صلاح العالم ، وهذا هو سبب بعثة الرسل إذ المصالح الدنيوية لا تنتظم إلا بشرع وضعه شارع مستحق الطاعة ؛ لتميزه عن غيره بآيات تدل على أنه من عند ربه ، مع وعد الثواب والعقاب للموافق والمخالف ، لئلا

--> - الفيض الأقدس على الأعيان الثابتة . وإنما قال رضي اللّه عنه : من المقام الأقدم ؛ لأن أحدية الذات أقدم من أحدية الأسماء المسمّاة بالواحديّة القديمة التي هي مرتبة الألوهية ، فافهم . ( 1 ) فما زلنا من الخلاف ؛ لأنهم : أي أهل التحقيق قد خالفوا المختلفين ، ولذلك خلقهم ، فما تعدّى كل خلق ما خلق له ، فالكل طائع في عين الخلاف . وهنا مسألة دوريّة ذكرها الشيخ رضي اللّه عنه في « الفتوحات » : وهي إن الشرائع اختلفت لاختلاف النسب الإلهية . واختلاف النسب لاختلاف الأحوال ، واختلاف الأحوال لاختلاف الأزمان ، واختلاف الزمان لاختلاف الحركات الفلكيّة ، واختلاف الحركات الفلكية لاختلاف التوجهات ، واختلاف التوجهات لاختلاف المقاصد ، واختلاف المقاصد لاختلاف التجلّيات ، واختلاف التجلّيات لاختلاف الشرائع ، واختلاف الشرائع لاختلاف النسب الإلهية ، فدار الدور ، انتهى كلامه رضي اللّه عنه . ( 2 ) أي أفاض الاسم الجامع لجميع الكمالات رحمته لجامع جميع التجلّيات ذاتا واسما وصفة ، فلما كان المقام مقام الدعاء عدل من الجملة الإسمية إلى الجملة الفعلية ؛ ليدل على التجدد والاستمرار ، يشير إلى أن الصلاة من اللّه تعالى مجدد دائما أبدا على ممد الهمم .